عندما يفكر الناس في التوحد، غالبًا ما تتبادر إلى أذهانهم صورة طفل. فاضطراب طيف التوحد يُناقَش دائمًا تقريبًا في سياق النمو المبكر، وتأخر الكلام، والدعم في سن المدرسة. لكن التوحد لا يختفي عند سن الثامنة عشرة، بل هو حالة نمائية عصبية تستمر مدى الحياة. وهناك عدد متزايد من البالغين في أبوظبي يكتشفون الآن فقط، في العشرينيات أو الثلاثينيات أو الأربعينيات من العمر، أن التوحد يفسّر شعورهم مدى الحياة بأنهم مختلفون.
يستعرض هذا المقال الشكل الحقيقي للتوحد لدى البالغين، وأسباب عدم التعرّف عليه لعقود لدى كثيرين، وما الذي يتضمنه التقييم للبالغين الباحثين عن إجابات في دولة الإمارات.
لماذا يُغفَل التوحد لدى البالغين في كثير من الأحيان؟
وُصف اضطراب طيف التوحد لأول مرة لدى الأطفال، ولسنوات طويلة، ركزت أدوات التشخيص والتدريب السريري بشكل شبه كامل على الصورة الطفولية للحالة. كثير من البالغين الذين يسعون الآن للتقييم نشأوا قبل انتشار الوعي بالتوحد على نطاق واسع، أو ببساطة لم تتم إحالتهم للتقييم لأنهم كانوا قادرين على الكلام، وناجحين دراسيًا، وقادرين على الاحتفاظ بوظيفة، وهي المؤشرات الظاهرية التي كان الأطباء يستخدمونها سابقًا لاستبعاد التوحد.
يطوّر عدد كبير من البالغين، وخاصة النساء، مهارة تُعرف باسم “التمويه” أو “الإخفاء” (Masking): أي التقليد الواعي للسلوك الاجتماعي، والتحضير المسبق للمحادثات، وكبت الحركات التكرارية أو المهدّئة للنفس في الأماكن العامة. قد يكون هذا الإخفاء فعالًا لدرجة أن الأصدقاء والعائلة، بل وحتى الأطباء، لا يلاحظون العلامات، بينما يكون الشخص من الداخل منهكًا وقلقًا وغير قادر على تفسير سبب شعوره بالإرهاق الشديد من مواقف اجتماعية عادية.
العلامات الشائعة للتوحد لدى البالغين
يظهر التوحد بشكل مختلف من شخص لآخر، لكن هناك أنماطًا تتكرر لدى كثير من البالغين الذين يتم تشخيصهم في النهاية:
- الجهد والإرهاق الاجتماعي – تتطلب المحادثات والمناسبات الاجتماعية جهدًا واعيًا بدلًا من أن تأتي بشكل طبيعي، وغالبًا ما تترك الشخص بحاجة إلى وقت طويل بمفرده للتعافي.
- صعوبة فهم القواعد الاجتماعية غير المعلنة – صعوبة في تفسير نبرة الصوت، أو السخرية، أو لغة الجسد، أو التوقعات غير المكتوبة في العلاقات وبيئة العمل.
- اهتمامات عميقة ومركّزة – اهتمام عميق ومستمر بمواضيع أو أنشطة معينة، أحيانًا منذ الطفولة، قد يراه الآخرون غير معتاد في شدته.
- حساسية حسية – ردود فعل قوية تجاه الأضواء أو الأصوات أو الملمس أو الروائح أو البيئات المزدحمة، لا يبدو أن الآخرين يلاحظونها.
- الحاجة إلى الروتين والقابلية للتنبؤ – انزعاج شديد عند تغيّر الخطط بشكل غير متوقع، وتفضيل قوي للهيكلية والثبات.
- شعور مستمر مدى الحياة بأنه “مختلف” – يصف كثير من البالغين شعورهم بأنهم كانوا “يؤدون دور” السلوك الطبيعي طوال حياتهم دون فهم سبب حاجتهم لهذا الجهد الكبير.
- قلق أو اكتئاب مصاحب – سنوات من الصعوبة الاجتماعية غير المفسَّرة والإخفاء المستمر تؤدي غالبًا إلى قلق مزمن، أو مزاج منخفض، أو إرهاق نفسي شديد (Burnout).
وجود بعض هذه السمات لا يعني بالضرورة أن الشخص مصاب بالتوحد؛ فكثير من هذه التجارب يتداخل مع القلق أو فرط الحركة ونقص الانتباه (ADHD) أو سمات الشخصية. وهذا بالضبط سبب أهمية التقييم السريري المناسب، بدلًا من التشخيص الذاتي بناءً على قائمة تحقق عبر الإنترنت أو محتوى من وسائل التواصل الاجتماعي.
كيف يتم تشخيص التوحد لدى البالغين؟
لا يوجد تحليل دم أو أشعة على الدماغ يؤكد التوحد. فالتشخيص عملية سريرية مبنية على تاريخ تفصيلي وملاحظة منظّمة، وتشمل عادةً:
- مقابلة سريرية شاملة تغطي الأداء الحالي، والعلاقات الاجتماعية، والتاريخ الوظيفي أو الدراسي، والتجارب الحسية.
- التاريخ النمائي، بما في ذلك، عند الإمكان، معلومات من الوالدين أو أفراد العائلة حول سلوك الطفولة، لأن معايير التوحد تتطلب وجود السمات منذ مراحل النمو المبكرة، حتى لو لم تكن ملحوظة في حينها.
- أدوات تقييم موحّدة، تُستخدم لتنظيم التقييم ومقارنة السمات الملاحَظة بمعايير التشخيص.
- فحص الحالات المصاحبة، حيث يتداخل التوحد كثيرًا مع فرط الحركة ونقص الانتباه واضطرابات القلق والاكتئاب، ويجب تحديد جميعها ليكون العلاج فعالًا.
- جلسة تغذية راجعة، يشرح فيها الطبيب النتائج بوضوح، ويجيب عن الأسئلة، وفي حال تأكيد التشخيص، يناقش خيارات الدعم الفعلية المتاحة للمستقبل.
يستغرق التقييم الشامل وقتًا. والتقييمات المتسرعة أو السطحية هي أحد أكثر الأسباب شيوعًا لإغفال تشخيص التوحد لدى البالغين أو تشخيصه خطأً كحالة أخرى.
ماذا يحدث بعد التشخيص؟
نادرًا ما يكون التشخيص في مرحلة البلوغ نهاية القصة؛ بل هو بالنسبة لمعظم الناس بداية فهم حياتهم أخيرًا. ويمكن أن يشمل الدعم بعد التشخيص:
- العلاج النفسي المصمم خصيصًا للبالغين المصابين بالتوحد، ويتناول غالبًا القلق، وإرهاق الإخفاء، واستراتيجيات التواصل، بدلًا من محاولة “تصحيح” سمات التوحد.
- استراتيجيات العمل والعلاقات لتقليل الحمل الحسي الزائد واحتكاك التواصل في الحياة اليومية.
- علاج الحالات المصاحبة مثل القلق أو الاكتئاب، والتي غالبًا ما تتحسن بشكل ملحوظ بمجرد معالجتها بشكل مباشر بدلًا من التعامل معها وكأنها المشكلة الكاملة.
- استشارات للأسرة والشريك، عند الحاجة، لمساعدة أقرب الأشخاص على فهم ما يعيشه الشخص المشخَّص.
من المهم التأكيد أن تشخيص التوحد لدى البالغين لا يعني وصف الشخص بأنه “مكسور”، بل هو إعطاء اسم لتجربة مستمرة طوال الحياة، وفتح الباب أمام دعم يناسب الشخص فعلًا، وغالبًا ما يخفف قدرًا كبيرًا من الشعور غير المبرَّر بالذنب ولوم الذات.
الحصول على تقييم للتوحد لدى البالغين في أبوظبي
إذا كنت قد أمضيت سنوات تتساءل لماذا تبدو الحياة الاجتماعية أصعب بالنسبة لك مما تبدو عليه للآخرين، أو إذا كان تشخيص أحد أفراد العائلة قد جعلك تعيد النظر في تجربتك الخاصة، فإن التقييم الرسمي يمكن أن يمنحك الوضوح. في مركز بيوتيفول مايند الطبي بأبوظبي، يُجري أطباؤنا النفسيون وأخصائيو علم النفس الإكلينيكي تقييمات شاملة للبالغين، تجمع بين المقابلات السريرية، والاختبارات النفسية، والمراجعة الدقيقة للحالات المصاحبة، للوصول إلى تشخيص دقيق وموثّق.
اتخذ الخطوة الأولى نحو فهم أفضل لذاتك. تواصل مع مركز بيوتيفول مايند الطبي لحجز تقييم سري للتوحد لدى البالغين في أبوظبي.
هذا المقال لأغراض تثقيفية عامة ولا يغني عن التقييم السريري المتخصص. إذا كانت لديك مخاوف بشأن اضطراب طيف التوحد، يُرجى استشارة طبيب نفسي أو أخصائي نفسي مؤهل.